النووي

21

التبيان في آداب حملة القرآن

وقد صنّف في فضل تلاوته جماعات من الأماثل والأعلام ، كتبا معروفة عند أولى النّهى « 1 » والأحلام ، لكن ضعفت الهمم عن حفظها ، بل عن مطالعتها ، فصار لا ينتفع بها إلا أفراد من أولي الأفهام « 2 » ، ورأيت أهل بلدنا دمشق - حماها اللّه وصانها وسائر بلاد الإسلام - مكثرين من الاعتناء بتلاوة القرآن العزيز تعلّما وتعليما ، وعرضا ودراسة ، في جماعة وفرادى ، مجتهدين في ذلك بالليالي والأيام ، زادهم اللّه حرصا عليه ، وعلى جميع أنواع الطاعات ، مريدين وجه ذي الجلال والإكرام « 3 » ، فدعاني ذلك إلى جمع مختصر في آداب حملته ، وأوصاف حفظته وطلبته ، فقد أوجب اللّه سبحانه النصيحة لكتابه ، ومن النصيحة له بيان آداب حملته وطلّابه ، وإرشادهم إليها ، وتنبيههم عليها ، وأوثر فيه الاختصار ، وأحاذر التطويل والإكثار ، واقتصر في كل باب على طرف من أطرافه ، وأرمز « 4 » من كل ضرب من آدابه إلى بعض أصنافه ، فلذلك أذكر « 5 » ما أذكره بحذف أسانيده .

--> ( 1 ) قال المصنّف : النّهى : العقول ، واحدها نهية ، بضم النون ، لأنها تنهى صاحبها عن القبائح ، وقيل : لأنّ صاحبها ينتهي إلى عقله ورأيه . قال أبو علي الفارسي : يجوز أن يكون النّهي مصدرا ، ويجوز أن يكون جمعا ، كالغرف . ( 2 ) في ( أ ) : النّهى والأفهام . ( 3 ) وما زال أهل هذا البلد على الحال التي وصفهم بها المصنف رحمه اللّه ، من اعتنائهم بكتاب اللّه تعالى ، تعلّما وتعليما ، وعرضا ودراسة ، ابتغاء وجه اللّه تعالى ورضوانه ، وهذا من فضل اللّه وتوفيقه ، وهو مصداق قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بينا أنا نائم ، إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي ، فظننت أنه مذهوب به ، فأتبعته بصري ، فعمد به إلى الشام ، ألا وإنّ الإيمان حين تقع الفتن بالشام » . أخرجه الإمام أحمد في « المسند » ( 1775 ) من حديث أبي الدرداء ، وهو حديث صحيح . ( 4 ) قوله : وأرمز ، من ( أ ) و ( ج ) و ( م ) . ( 5 ) في ( م ) : أكثر .